عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

19

اللباب في علوم الكتاب

وأصحاب الرأي وقالوا : لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن ؛ لأن تعليمه واجب من الواجبات التي يحتاج فيها إلى نيّة التقرب ، فلا يؤخذ عليها أجره كالصّلاة والصيام . واستدلوا بالآية [ وروى أبو هريرة قال : قلت : يا رسول اللّه ما تقول في المعلّمين ؟ قال : « درهمهم حرام ، وشربهم سحت وكلامهم رياء » ] « 1 » . وروى عبادة بن الصامت قال : علمت ناسا من أهل الصفّة القرآن والكتابة ، فأهدى إليّ رجل منهم قوسا ، فقلت : ليست بمال [ وأرمي ] عنها في سبيل اللّه ، فسألت عنها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « إن سرّك أن تطوّق بها طوقا من نار فاقبلها » « 2 » . وأجاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن مالك ، والشّافعي ، وأحمد ، وأبو ثور ، وأكثر العلماء ، لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث الرّقية : « إنّ أحقّ ما أخذتم عليه أجرا كتاب اللّه » « 3 » أخرجه البخاري ، وهو نصّ [ يرفع الخلاف ، فينبغي أن يعوّل عليه ] « 4 » . وأما حجّة [ المخالفين ] « 5 » فقياسهم في مقابلة النّص ، وهو قادر ، ويمكن الفرق ، وهو أن الصّلاة والصّوم عبادات مختصّة بالفاعل ، وتعليم القرآن عبادة متعدّية لغير المعلم ، فيجوز الأجرة على محاولته النقل كتعليم كتابة القرآن . قال ابن المنذر ، وأبو حنيفة : يكره تعليم القرآن بأجرة ، ويجوز أن يستأجر الرجل يكتب له لوحا أو شعرا أو غناء معلوما بأجر معلوم ، فيجوز الإجارة فيما هو معصية ، ويبطلها فيما هو طاعة . وأما الآية فهي خاصّة ببني إسرائيل ، وشرع من قبلنا هل هو شرع لنا ؟ فيه خلاف ، وهو لا يقول به ، ويمكن أن تكون الآية فيمن تعيّن عليه التّعليم ، فأبى حتى يأخذ عليه أجرا . فأما إذا لم يتعيّن فيجوز له أخذ الأجرة بدليل السّنّة في ذلك ، وقد يتعيّن عليه إلّا أنه ليس عنده ما ينفقه على نفسه ، ولا على عياله ، فلا يجب عليه التّعليم ، وله أن يقبل على صنعته وحرفته . [ وأما أحاديثهم فلا يصح منها شيء في الدليل ] « 6 » .

--> ( 1 ) انظر تفسير القرطبي : ( 1 / 335 ) . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة ( 2 / 730 ) رقم ( 2157 ) وأحمد ( 5 / 315 ) والبيهقي ( 6 / 155 ) . ( 3 ) أخرجه البخاري « كتاب الطب » باب الشروط في الرقية رقم ( 5737 ) والبيهقي ( 1 / 430 ) وابن حبان ( 1131 ) والدارقطني ( 3 / 65 ) رقم ( 248 ) والبغوي ( 8 / 267 ) . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) في أ : المخالف . ( 6 ) سقط في أ .